قيل
رسم
مقال
قبل البدء دعوني أشرح لكم فكرة هذه الثلاثية، ولو في أن ما سأسرده لكم سيحرق عليكم الأحداث، لكن القصة تستحق، فإن شئت ألا أحرق عليك أحداث هذه الثلاثية والتي يبدأ أولها بهذا الألبوم، فتجاوز هذه المقدمة. جيرونيموس كورنيليز (Jeronimus Cornelisz) هو شخصية تاريخية هولندية حقيقية ارتبط اسمه بواحدة من أبشع وأشهر الكوارث البحرية والإنسانية في التاريخ، وهي قصة غرق السفينة التجارية الهولندية باتافيا (Batavia) عام 1629.
إليك تفاصيل أوفى عن شخصيته وما جرى بالضبط من أحداث قصته:
من هو جيرونيموس كورنيليز؟
كان جيرونيموس في الأصل صيدلانياً (أقرب لشخصية كيميائي أو عطار في ذلك الوقت) من مدينة هارلم الهولندية. انضم إلى شركة الهند الشرقية الهولندية (VOC) كوكيل تجاري وأبحر على متن السفينة الفاخرة "باتافيا" في رحلتها المتجهة إلى جاوة (إندونيسيا حالياً). كان جيرونيموس رجلاً مثقفاً وفصيحاً، ولكنه كان يتبنى أفكاراً هرطقية متطرفة متأثرة ببعض المذاهب الروحانية التي تؤمن بأن "المختارين من الله" لا يمكن أن يرتكبوا خطيئة، وأن كل ما يفعلوه مبرر.
الكارثة والاستبداد الدموي
بعد اصطدام السفينة بصخور مرجانية وغرقها قبالة سواحل أستراليا الغربية، نجح معظم الركاب في الوصول إلى جزر صغيرة قاحلة تُعرف بجزر "أبروخوس". غادر قائد الرحلة (بيلسارت) والكابتن في قارب صغير طلباً للمساعدة، وتُرك جيرونيموس كورنيليز مسؤولاً عن الناجين على الجزر.
هنا تحول جيرونيموس إلى مستبد سادي مريض نفسي. مستغلاً فصاحته وسلطته، وبمساعدة مجموعة من الجنود المتمردين، فرض حكماً شمولياً مرعباً على الجزر:
• سحب الأسلحة والمؤن من الناجين ووضعها تحت سيطرته الكاملة.
• بدأ بتنفيذ خطة تصفية ممنهجة للتخلص من الضعفاء، والنساء، والأطفال، وكل من يشك في ولائه، وذلك لتقليل استهلاك المياه والطعام ولضمان عدم حدوث أي ثورة ضده.
• أسس ما يشبه "المملكة الدكتاتورية المصغرة" حيث كان يرتدي ملابس فاخرة من حطام السفينة ويأمر بأبشع الجرائم دون أن يلوح بيده؛ بل كان يأمر أتباعه بالقتل، والاغتصاب، والتعذيب.
• قُتل تحت إمرته المباشرة أكثر من 110 أشخاص من الناجين في غضون أسابيع قليلة. انتهى حكمه الدموي عندما عادت سفينة الإنقاذ، وتم القبض عليه ومحاكمته على الجزر نفسها، حيث قُطعت يداه ثم أُعدم شنقاً.
هل يتم تدريس هذه الشخصية في هولندا كمثال على الاستبداد؟
نعم، ولكن في سياقات محددة وبطرق معينة:
1. في المناهج الدراسية والتاريخية: لا تُدرس شخصية جيرونيموس كحاكم سياسي استبدادي تقليدي (مثل هتلر أو ستالين)، بل تُدرس قصته في المدارس والجامعات الهولندية كجزء أساسي من تاريخ العصر الذهبي الهولندي (القرن 17) وتاريخ شركة الهند الشرقية (VOC).
يتم تناول شخصيته كمثال صارخ في علم النفس الاجتماعي وعلم الجريمة على:
o سيكولوجية الاستبداد والانقياد الأعمى: كيف يمكن لشخص ذكي وذي كاريزما أن يحول البشر العاديين إلى قتلة وسفاحين بمجرد غياب القانون وسلطة الدولة (وهي محاكاة حقيقية ومرعبة لما يُعرف في علم النفس بـ "أمير الذباب" أو تجارب السجن الشهيرة).
o الوجه المظلم للعصر الذهبي: تستخدم قصته لكسر الصورة النمطية الوردية عن الرخاء الهولندي في ذلك العصر، وإظهار الجانب القاسي والمظلم لرحلات التجارة البحرية.
2. الذاكرة الثقافية في هولندا وأستراليا: القصة شهيرة جداً في الثقافة الهولندية؛ فهناك كتب تاريخية وروايات لا حصر لها تتناول سيكولوجية جيرونيموس. وفي مدينة "ليليستاد" الهولندية، تم بناء نسخة طبق الأصل بالكامل من السفينة "باتافيا" كمعلم سياحي وتعليمي شهير يزوره آلاف الطلاب سنوياً ليتعلموا عن هذه الحقبة وعن تلك المأساة الإنسانية. كما تحظى القصة باهتمام بالغ في أستراليا كونها وقعت على شواطئها وتعتبر من أقدم القصص الموثقة في تاريخ القارة.
مدخل :
في التاسع والعشرين من تشرين الأول أكتوبر لعام ألف وستمائة وثمانية وعشرين، غادرت السفينة "باتافيا" ميناء أمستردام. وكان على متنها ثلاثمائة وواحد وأربعون شخصاً، من بينهم ثماني وثلاثون امرأة وطفلاً؛ وتوزع الركاب بين بحارة، وحرفيين، وجنود، وضباط، بالإضافة إلى بضعة مسافرين يلوذون بمقصورة القيادة الخلفية، وهو المكان المخصص لنخبة السفينة. وتعود ملكية هذه السفينة لـ "الشركة الهولندية القوية لجزر الهند الشرقية"، المعروفة باختصارها "في أو سي". وكان من المقرر لها أن تبلغ جزيرة جاوة لِتُحَمِّلَ من هناك التوابل التي تصنع ثروة المساهمين في هذه الشركة. كانت أمستردام في ذلك العصر تمثل المستودع الأكبر في القارة الأوروبية؛ حيث كانت هولندا تعيش عقوداً ذهبية من الرخاء والحرية. وقيل عن أمستردام إنها مدينة تسامح، يقصدها أصحاب العقول الحرة والمضطهدون من شتى بقاع أوروبا ليتخذوا منها ملاذاً آمناً لهم.
ملخص الألبوم الأول - رجل جديد:
يقول كريستوف دابيتش موضحاً: "على نحو مفارق، عندما عدت برحلتي إلى القرن السابع عشر، وجدت نفسي أمام قضايا اقتصادية وسياسية تقع في دائرة اهتماماتي. إذ تأتي هذه الرواية في سياق تاريخي شهد ابتكار أمستردام لسوق الأوراق المالية، وبالتالي صياغة شكل من أشكال الرأسمالية، في دورة كبرى ما زلنا نعيش في فلكها حتى يومنا هذا. إن شركة الهند الشرقية هي واحدة من أقوى الشركات التجارية في التاريخ قاطبة. ومن خلال هذه المقاربة الواسعة، تساءلتُ عن طبيعة الروابط التي يمكن أن تجمع بين هذا التاريخ الكبير والتاريخ الدموي المأساوي لـجيرونيموس". ومن بين الرجال الذين ضمتهم سفينة باتافيا، كان هناك بيلسارت، وهو القائد المسؤول عن الشؤون التجارية والمدير الفعلي للسفينة، على الرغم من أنه لم يكن بحاراً، والكابتن آريان، المسؤول عن قيادة السفينة ولكنه يأتمر بأمر بيلسارت، وجيرونيموس كورنيليز، وهو صيدلاني من مدينة هارلم، كان يفر من عالم البشر، عاجزاً عن التغلب على فاجعة موت رضيعة بمرض الزهري، وما أعقب ذلك من شكوك حامت حول زوجته. وفي قلب هذا العالم الذكوري المحض، كانت تبرز لوكريتيا. وبعد قضاء عدة أشهر في عرض البحر، غدت محطاً لمحاولات التقرب والخطب؛ محاولات اتسمت بالتكتم من جانب جيرونيموس، وكانت أكثر صراحة ومباشرة من جانب القائد والكابتن. بيد أن سفينة باتافيا لن تبلغ جاوة أبداً. وسيتحول اسم هذه السفينة ليكون مرادفاً لتجربة رهيبة ومروعة وقعت تفاصيلها فوق جزر منسية قبالة السواحل الأسترالية. تجربة إنسانية قادها جيرونيموس كورنيليز، الذي لم يكن يظهر عليه أي مؤشر مسبق ينبئ بأنه سيلعب يوماً مثل هذا الدور. ويضيف قائلاً: "إن الشخصية المحورية تُدعى جيرونيموس، وبالنظر إلى مجريات الأحداث، فغالباً ما يُصوَّر على أنه مريض نفسي ومارق لتفسير مسار حياته. وهذا ليس ببعيد عن الحقيقة. لكنه في الأصل رجل لم يكن هناك شيء، بصفة مبدئية، يهيئه ليصبح على ما صار عليه إثر كارثة غرق تلك السفينة. إنها قصة شهيرة للغاية في هولندا وأستراليا، ولكنها تكاد تكون مجهولة تماماً في فرنسا".
ملخص الألبوم الثاني - التحطم:
ملخص الألبوم الثالث - ظلمة:
آراء النقاد:
هذه قصة حقيقية عن تمرد بحري، لم أكن أعرف بوجودها من قبل. ومع ذلك، فهي تمثل إحدى أكثر المآسي رعباً التي هزّت شركة الهند الشرقية الهولندية الشهيرة خلال القرن السابع عشر. نتابع هنا مسيرة أحد الرجال المحوريين في تلك الكارثة، وهو الصيدلي جيرونيموس، الذي يهرب من انهيار حياته الخاصة ليكتشف جانباً آخر من شخصيته، ويقرر استغلال كل الظروف التي تعترض طريقه لتحقيق مصالحه. أما الرسوم، فهي تنتمي إلى المدرسة الانطباعية. وفي العادة أجد هذا الأسلوب جميلاً جداً، لكنني هنا واجهت صعوبة في تمييز ملامح الشخصيات. فهذا القدر من الغموض في الرسم يزعجني دائماً أثناء قراءة القصص. ومع ذلك، لا بد من الاعتراف بأن الألوان رائعة للغاية، وتمنح هذا العمل، المستند إلى وقائع تاريخية، طابعاً مميزاً بحق. يشعر القارئ وكأنه يدخل لوحات فنية لكبار الرسامين، ويعيش حياة الهولنديين الذين انطلقوا آنذاك لغزو العالم، واضعين اللبنات الأولى للرأسمالية. كما أن اختيار زوايا الرسم موفق للغاية. باختصار، إنه عمل فني ممتاز، ويكفي النظر إلى أغلفة السلسلة ليدرك المرء مدى جمالها. من جهة أخرى، يعتمد الألبوم أسلوباً سردياً غير مألوف يضفي على الأحداث مسحة من الجدية والرهبة. ومن الصعب أن يتعلق القارئ بالبطل، لأن السرد يحافظ على مسافة عاطفية بينه وبين الشخصيات. يبلغ الجزء الأول ثمانين صفحة، ومع ذلك لا يحدث فيه الكثير من الأحداث. أما الجزء الثاني، فهو أكثر ثراءً بالحركة والإثارة، حتى تبدو الأحداث فيه متسارعة مقارنة بالأول. وقد يظن البعض أن هذا التفاوت يضر بالعمل، لكنني لا أرى ذلك. فمن الواضح أن المؤلفين تعمدا التمهل في بناء الشخصيات ورسم ملامحها النفسية، وهو أمر لم يكن مزعجاً بالنسبة لي، بل على العكس. ويبدو أن سفينة باتافيا نفسها تتحول إلى شخصية قائمة بذاتها داخل القصة. فمصيرها يقودها إلى الارتطام بشعاب مرجانية تقع على بعد نحو 80 كيلومتراً من السواحل الأسترالية التي كانت آنذاك ما تزال أرضاً مجهولة. إنها رحلة تمتد لنحو 24 ألف كيلومتر، أي إلى أقصى ما كان يمكن تخيله في ذلك العصر. - إريك








ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق