مقال بقلم حمزة الأسد
إنّ الناظرَ في معرض
مجلات القصص المصوّرة في ثمانينات القرن المنصرم، يُدرك بسرعة أن مجلّة مؤسسة
الأهرام، مصر (تان تان) تحتل الصدارة
(نسبيًا) آنذاك، فهي أكبر المجلات حَجمًا، الحجم الأوروبي، ملوّنة بالكامل، رسومُها
أنيقة، قصصها منوّعةِ المواضيع، لا مكان للسوبر هيروز، قصصٌ تخاطِبُ عقولًا من
طبقات عُمُرية مختلفة، لن يفكّرَ أيُّ فتًى أو فتاةٍ من محبّي هٰذا الفنّ طويلًا
"هل أشتريها لأقرأها ثم أقتنيها؟" لن يتردّد في ذلك طويلًا، بل ربما
كبار السنّ آنذاك فعلوا ذٰلك. مع التقدير للمجلات العربية للقصص المصورة وقتها، لٰكنني
هنا لا أقارن ولا أوازن بين تان تان وبينهنّ، لأن ذٰلك لن يكون مُنصِفًا،
فالمقارنة والمنافسة تكون بين المتقارنَين والمتشابهَين والمتقاربَـين ومجلة (تان
تان) خارج المنافسة وقتذاك، فالمحتوىٰ مختلف من حيث الصناعة، رسمًا وتأليفًا،
القُدُرات الفنيّة والبصرية والإنتاجية لهٰذا الفن في أوروبا في مستوى متقدّم عن
الحال في غيرها من القارات، اليوم لم يعد الأمر كذٰلك لا سيّما في مجال العالَم
الرقمي، لٰكنني أحدّثكم عن زمان...
زمان كانت
الدنيا أكثر بُطئًا، المعلومات لا تصل إلا من خلال الصُحف، الراديو ونشرات الأخبار
المحدودة جدًا في القنوات الأرضية الوطنية... كانت الدنيا "لسه" بخير. كانت مجلة
(تان تان) زينة مكتبة هواة القصص المصورة، تحتلّ غالبًا الرفّ العلوي فيها،
لحجمها المميّز، بريق ألوانها في كل صفحاتها، تقدّم معلوماتها، نضوج مواضيع قصصها
ونصوصها...
نعم، مضامينها،
وصلنا لأحد أهم ما يميّزها، ففيها تجد الاجتماعي بلمسة فكاهية (مسيو بون
بون أستاذ متواضع)، تجد الحياة البرية في الغرب
الأمريكي، تارة تكوين أسرة هجينة تكافح لتأخذ مكانها في إيقاع دورة الحياة (بادي لونجواي) وتارة مطاردات الكاوبوي والحانات (بلو بيري) أو نمط العيش في مزرعة للأبقار وكفاح
أهلها لتأمين لقمة العيش (كومانش)... ثم بعد
صفحات قليلة تقلبها في المجلة تجد نفسك في عالَم متخيَّل فيما بعد الكارثة
تتابعه بشوق وشغف كبيرين لتكتشف أكبر قدر ممكن من تفاصيل العيش في هٰكذا زمن، تقرأ
السطور وما بينها مرات عديدة، تُمعن النظر جيدًا في رسومها، علّك تقع علىٰ تفصيلة
صغيرة هامّة تبني عليها المزيد من المعلومات في مخيّلتك، أو ربما ترىٰ بنفسك علىٰ
أقرانك في الحيّ، الذين يقرؤون المجلة مثلك،
اكتشافك لها "لتتغندر" عليهم أسبوعًا كاملًا (جيرمايا
- سيمون النهر)..
ثم بعد صُفَيحات ترىٰ نفسك تغوص في عالم الفضاء وتسبح فيه منتقّلًا من كوكب إلىٰ آخر مع كائنات لا تقلّ إثارة لأفكارك ومخيّلتك في شحنها بجرعات من السعادة والتحفيز (لوك أوريان - داني) ثم ليس بعيدًا تعود إلىٰ واقع الأرض بسرعة البرق مع مغامرات بوليسية كلاسيكية لكشف لغز جريمة أو اختفاء شخصية مرموقة مع الصحفي الرشيق وصديقته الجميلة الشقراء والمحقّق أبيض الرأس دلالة على الحنكة والخبرة، مع أن مكتشف الأسرار وحالّ رموز الجرائم دائمًا الشاب برتقالي الشعر أحيانًا وأصفره غالبًا (ريك هوشيه)، ثم تطير علىٰ قارب من البسمات والقفشات المختطفة سريعًا على صفحات الجاج مع لوبو وروبن هود وتاكا تاكا تا وماكس المستكشف وغيرها الكثير الكثير...
ثم في بعض الأعداد
تجد (بلاك ومورتيمر) زمن الحرب العالمية
الثانية يواجهان غريمَهما "أبو شارب" أسود دقيق، تارة في الهند
وتارة في بريطانيا وأحيانًا في الأدغال أو باريس.. المهم أنهم في مطاردة مستمرة..
ويا لخفقان القلب وجريانه حينما تكون هذه المطاردات بين (جي ليفران) وغريمه الذي يُشبه غريم بلاك ومورتيمر
وكأنه أخوه التوأم، الإيقاع مع هذه القصص أصبح أسرعَ من ذي قبل.. وفجأة تقف أمام
صفحات تشعر وكأن "دولاب" الزمن قد توقّف بك فجأة! وذٰلك حينما تجد نفسك
أمام (جوناثان) تحاول جاهدًا أن تفهم ماذا
يريد؟ ماذا يفعل؟ ما هدفه من وجوده في جميع تلك البلدان من الشرق الأقصىٰ؟ تسأل
نفسك لماذا الألوان هنا داكنة دائمًا؟ هل جفّت ألوان الطابعات في المطبعة؟ وإن كان
نعم، فلماذا تجفّ أو تخف دائمًا مع قصص هٰذه الشخصية الحزينة؟ هذا أقصىٰ ما يمكنك
أن تقنع به نفسك مع جوناثان لتجد نوعًا من التعاطف تجاه قصصه وأنه ربما يستحق هٰذا
التعاطف منك فالمطبعة "حطت حطاطه"
"نقرها من نقره" وإلا ما بال الألوان هنا رمادية؟! تحليل
"سطحي" آنذاك لٰكنه تفكير فتى يحاول إيجاد الأعذار...
ثم ينتهي
العدد بين يديك.. لتخرج من المجلة وكأنك تصحو من عدّة أحلام جميلة ومغامرات
مثيرة قضيتها في عالمك الخاص، الصغير واقعيًا، الكبير جدًا تخيّليًا... تحتاج جلسة
تفكّر وتأمّل سريعة.. بطيئة.. قليلة.. طويلة.. حسب كم المعلومات القصصية الجديدة
علىٰ عقلك وتصوّراتك، لتتمكّن بعدها من العودة إلىٰ واقعك لتعود شخصًا اجتماعيًا
منسجمًا مع عائلته، ولٰكن ثمّة بقعة ضوء متّقدة في ركن من أركان دماغك تقول لك: بانتظار
الأسبوع القادم لنُكمل رحلتَنا السعيدة هٰذه..
حديث النفس الصغير هٰذا
يشحن بطارية سعادتك أسبوعًا كاملًا أينما كنت، في البيت في المدرسة في الملعب، عند
الأقارب الجدّات والأجداد، العمّات والخالات، الأعمام والأخوال مع أولادهم، أو مع
الأصدقاء والرفقاء، أنت دائمًا تعرف كيف تشحن نفسك بالسعادة في أيّ وقت يحاول
المجتمع من حَولِك أن يقذفَك في بُحور هُمومه وأحزانه، تضغط أنتَ علىٰ تلك البقعة
في مخيّلتك لتسترجع "جرعة السرور السرية الخاصة
بك" وأن موعدها يقترب يومًا بعد يوم...
لقد كنا
فعلًا محظوظين، منذ صغرنا كنا دائمًا مميّزين، وهٰذا لا يَخُصّ قرّاء مجلة تان
تان وحدها! بل جميع الأطفال الذين يقرؤون القصص المصوّرة، فبطريقة أو بأخرىٰ
كانوا أكثر سعادة من الأطفال الذين لا يقرؤون، أكثر ذكاءً بسبب كم المعلومات التي
يكتسبونها من مغامرات تلك القصص، أوسع أفقًا وأبعد نظرًا وتحليلًا للأمور... ولٰكن
قرّاء مجلة تان تان على الخصوص كانت السعرات الحرارية لكل ذٰلك أعلىٰ وأقوىٰ..
لا أريد تحليلَ أسبابِ ذٰلك والغوص فيه، فذٰلك قد حصل مسبقًا في مقالات كثيرة
جدًا، مُلخّصها أن تان تان الفرنكوبلجيكية نتاجُ عملِ فريقٍ مخضرم ذي قدرات
مادية إنتاجية متفوّقة، من الظلم بمكان جعل غيرها منافسًا لها... برجاء يا أيها
القلم لا تشتّ بنا بعيدًا عمّا نريد...
وها نحن
اليوم، وقد غزا الشيبُ ليس مفارِقنا فحَسب، بل جنبات رؤوسِنا ولِحانَا وربما
حواجبنا، لا زلنا أوفياء لهوايتنا، حينما لم نعد نجد ما نحب في المكتبات
والأكشاك، وحينما أصبحتَ غريبًا في مجتمعك فأكثر
مَن كان مثلَك بالأمس يقرأ ما تقرأ هو اليوم في وادٍ وأنت في غيره، تقول في نفسك
لماذا تغيّروا ولم أتغيّر أنا؟ هل كانوا يدّعون أنهم يحبون تلك المجلات أم أن
العيب فيّ أنا؟ هل كبروا وتقدّم بهم الزمن وأنا لا؟ ما بال الناس؟ لتبدأ -في وقت
ما- رحلة البحث عن أشباهك وعن هوايتك في مكان آخر بعيد عن واقعك...
وهنا وجدنا أنفسنا على بحر النت، في موقع عرب كوميكس، كلّ واحدٍ منا من بلد، وإن كنا من نفس البلد، فكل مجموعة منا في مدينة، وإن كنا في مدينة واحدة ففي مَحَلّةٍ أخرىٰ... وهٰكذا إلىٰ أن تكون محظوظًا جدًا لتجد بعضًا من أبناء حيّك مثلك لم تعرف بهم إلا هنا، وغالبًا بعد اللّقاء بهم والسعادة بالتعرّف عليهم تزداد أواصر تلك الروابط بيننا لنشكّل مجتمعًا من فِرق وأفراد متماسكين بقوة، متلاحمين بشدة، يفهم بعضنا بعضًا، هوايتنا الأخرىٰ (جمع قصص، مُجلدات، طوابع، عُمُلات، مُجسّمات، رسم، كتابة، مُشاهدة أفلام ومُسلسلات، ورُبّما حُب الطعام 😊) هي نفسها غالبًا، أحاديثنا متشابهة، شخصياتنا متقاربة تفكيراتنا متوازنة، "ايه ده" هو أنا أنت أم أنت أنا؟
وسرعان ما
عادت تلك المجلات، التي فقدناها صغارًا بحُكم عوامل الكبار وعدم قدراتهم المادية
أو حروبهم الغبية، أعدناها "كبارًا" نحن
لأنفسنا، إرضاءً "للصغير" القابع
داخلنا الذي لا يفتأ يريد مغادرتنا، لا! بل
نحن لا نريد له أن يرحل.. من تلك البقعة الصغيرة في ذٰلك الركن من
عقولنا ومخيّلاتنا وأفكارنا.
أعدنا مجلاتنا
الحبيبة، بساط الريح وأخواتها (ما وراء الكون، المغامرات المصورة، المغامر
والرجل الالكتروني الخ)، العملاق وأخواتها (طرزان، سوبرمان كلاسيك، العصر
الفضي ولولو الخ).. وتان تان (لا أخوات لها، كانت فريدة متفرّدة) من جديد
بحُلَلٍ عديدة وطَرَحاتِ عروس بل "عروسات" عديدة، لَسْنَ ضراير بل
حبايب، فلدينا سوبر تان تان وتان تان الجديدة وتان تان جيب وأخيرًا
تان تان الذهبية الأنيقة الأقرب للأصل الأول بصفحاتها التحريرية..
ليس هٰذا
فحسب، بل استخرجنا مجلات لم ترَ الساحة العربية من قبل أبدًا، فكانت سبيرو
وبايلوت و٢٠٠٠ آ.د.، بل وابتكرنا من عقولنا لا علىٰ مثال
سابق مجلات جديدة كـالموسوعة وعالم الكوميكس وباند ديسينيه والعملاق
كلاسيك وعرين الأسود والأدب العالمي وفريد المتفرّد والكلاسيكيات
المصورة ومنطقة الغموض واللائحة تطول...
نحن
اليوم نعيشُ هوايتَنا، لم نعد قرّاءَ فحسب، بل أصبحنا المُنتجين العامِلين
المترجمِين الفنّيين المُؤرشِفين المُحلّلين الصحفيين الكاتبين المدقّقين
الباحثين.. المتجدّدين مع متغيّرات زماننا حفاظًا علىٰ بقائنا، فالتجدّد سبب لحصول السعادات...
مَن
كان مثلنا فليأتِ إلينا... نحنُ هاني الطرابيلي، مصطفىٰ بادي، عبد الرحمٰن
المصري، هيثم حَمدُ الله، ضياء أنور، محمّد الجندي، أحمَد مسعد، عماد الدباغ، أبو
فادي، آفو بارسوميان، عادل الزغبي، أمير ماردوم، فيصل البحريني، رامي صابور، داني
الأتاسي، حسين النقيب، هديل الجندي، رنيم باشا، جورجيت، مقداد الدرازي، أشرف مكرم،
محمّد عمر موسىٰ، عمر محروس، محمود عبد الهادي، فاروق عيسوي، أشرف خليل، داني
يعقوب، الاستشاري حارث، بسّام، ثامر، عبد الغني التاجوري، ليفران، حسين محمد، أحمد
يُسري، أحمُس أحمد، سناء جميل، رمزي رؤف، محمد جابر، سرمد الجابر، أمير صالح، سنان
الوردي، ليث الداغستاني أبو شامل، محمّد رأفت بلوبـيرد، عاطف، أحمد عيسىٰ، عبد
الكريم محمود، محيي الدين ونجمٌ برز ليس من بعيد بدر أبو حمد... وكثيرون آخرون، من
المدرسة الأوروبية تحديدًا، ومدرسة الكوميك الأمريكي المعرّب، يضيق المقام عن
عدّهم وذكر أسمائهم الكريمة.. ولا ننسىٰ من الراحلين عدي حاتم البغدادي وأبا
أمجد... فجميع هٰؤلاء أشخاص تركوا بصمتهم القوية جدًا في هوايتنا، بصمة
ميّزت كلّ واحد منهم بطريقته الخاصة، أو بنتاجه الغزير، أو الأنيق، أو الفريد، أو
المميّز، أو قلمه السيّال، أو ريشته الفنية الخلّابة، في هذا المجتمع العربي،
الصغير عددًا (مقارنة بمجتمعاتنا)، الكبير جدًا أثرًا وفعلًا وعملًا.
نحن، بكل
تواضع، نادي هواة الكوميكسيين العرب المحترفين: أيادٍ
عديدة في جسد واحد ذَوي قلوب كبيرة
عرب كوميكس جمعنا.. ونحن بنينا معًا مجتمعنا
وكتب حمزة الأسد مايو ٢٠٢٦














ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق